تُشبه منصات التواصل الاجتماعي نوافذ صغيرة تُتيح لك رؤية ما يحدث في حياة الآخرين. يمكنك رؤية ذلك دون علمهم (طالما أنك لا تتفاعل معهم وتكتفي بالمراقبة). لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو أن الواقع ليس دائمًا واضحًا خلف هذه النوافذ، وفي أغلب الأحيان، لا يُرى إلا الجانب الأكثر بريقًا من حياة الآخرين، مما يُثير الحسد والمقارنات.
تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي منصةً لمشاركة أخبار الولادات، وفقدان الوظائف، والظلم الاجتماعي، والطلاق، وزيادة الرواتب، والنجاحات الشخصية، وصور اللحظات المميزة، والموسيقى... باختصار، هي مكانٌ نتشارك فيه تجاربنا وقصصنا. أحيانًا تكون هذه القصص شخصية، وأحيانًا أخرى مفيدة، وأحيانًا أخرى تبدو غير مفهومة.
ما لا يدركه الناس هو أن التحقق من وسائل التواصل الاجتماعي يبدو أنه أصبح التزامًا يوميًا، ويشعر الناس بأنهم ملزمون بفحص وسائل التواصل الاجتماعي كل يوم!
لماذا تجذبنا الشبكات الاجتماعية كثيرًا؟
الشبكات الاجتماعية آسرة، ووسائل التواصل الاجتماعي ليست استثناءً. فالناس يشعرون برغبة جامحة في بناء العلاقات، والانتماء إلى مجتمع، والشعور بالانتماء إلى الجماعة. يسعون إلى التقدير، ويتبادلون المعلومات والأخبار. يحدث هذا بشكل طبيعي لأن التواصل مع الآخرين أمرٌ متأصل فينا.
التواصل الاجتماعي جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية؛ فهذه السمة من أهم مفاتيح نجاحنا كجنس بشري وكأفراد. فالذكاء، في جوهره، اجتماعي. ولا يقتصر الأمر على مجرد التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل نحتاج إلى شبكات وروابط بين الناس؛ فهي ضرورية لبقاء جنسنا البشري. كما أنها شرط أساسي لا غنى عنه لتعلم كيفية إدارة المشاعر.
لا بد للذكاء أن يكون اجتماعياً، وإلا فلا يُعد ذكاءً على الإطلاق. فالتقدير الاجتماعي لما يقوله المرء أو يفعله مؤشر جيد على رفاهيته. والخبر السار هو أن الانتماء إلى الجماعة اليوم أصبح أسهل من أي وقت مضى بفضل التقنيات الرقمية. فهي تتيح لنا توسيع آفاقنا الاجتماعية، وتساعدنا، ببطء ولكن بثبات، على التغلب على بعض المخاوف التي تُطاردنا: الوحدة والاكتئاب.
كيف يعمل التفاعل على الشبكات الاجتماعية
عندما يستخدم الناس وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم يميلون إلى اتباع نمط واحد. فهم ينسخون ويشاركون المقالات التي تهمهم أو التي تلامس مشاعرهم. ويضيفون تعليقات على هذه المقتطفات ويدعون أصدقاءهم لمشاهدتها أيضاً، فينشرون المعلومات.

يميل الناس إلى التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بنفس الطريقة التي كانوا يتعاملون بها عندما كان لديهم ألبومات صور في درج خزانة ملابسهم: لتذكر الأوقات الجيدة أو الأشياء التي أثرت علينا في لحظة معينة.
تُعدّ صفحتك على مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة انعكاس شخصي لما يثير اهتمامك. فهي مليئة بالمقالات والصور والاقتباسات والنصوص المهمة، ورسائل الأصدقاء، وذكريات من السنوات الماضية. كما ترى تعليقات من أشخاص تتواصل معهم بانتظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
نريد أن ننتمي إلى المجتمع
عندما يتفاعل الناس بشكل مفرط على وسائل التواصل الاجتماعي (أكثر من تفاعلهم في الحياة الواقعية)، فغالباً ما يكون ذلك بحثاً عن شعور بالانتماء. يُناقش كل شيء على هذه الوسائل، من الآراء السياسية إلى أعمق المشاعر. بالنسبة للكثيرين، تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي مكاناً يتوقون للانتماء إليه؛ فهي تُوفر لهم هذا الشعور.
على سبيل المثال، أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "التأثير الاجتماعي" أن الأشخاص الذين يتفاعلون على فيسبوك يميلون إلى الشعور بالانتماء عندما تتلقى منشوراتهم ردود فعل من الأصدقاء وتفاعلاً على شكل تعليقات أو إعجابات. وأظهرت هذه الدراسة أن مشاعر الانتماء تتلاشى عندما يتوقف المستخدمون عن إنشاء المحتوى أو التفاعل عبر الإنترنت، وعندما لا تتلقى منشوراتهم أي ردود فعل من الآخرين، مما يجعلهم يشعرون بعدم الأمان.

لن يحدث هذا إذا شعر الشخص الموجود في بيئته المباشرة بأنه ينتمي إلى مجتمع ما، فلن يكون لديه الحاجة إلى الانتماء إلى شبكة اجتماعية بشكل مستمر. ستتمكن من المشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي من وقت لآخر ولكن دون الشعور بالقلق إذا لم يتفاعلوا مع منشوراتك.
يعتمد الشعور بالانتماء على عدد الأشخاص الذين يتواصلون معهم على فيسبوك ( على سبيل المثال، وينطبق الأمر نفسه على شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى مثل إنستغرام)، وعلى نوعية التجارب التي يخوضونها على هذه الشبكات، وما إذا كانوا يشعرون بالتجاهل أو التقدير من الآخرين. وقد أظهرت النتائج بوضوح أن المشاركة الفعّالة ضرورية للحد من مشاعر الرفض الاجتماعي، وهو شعور قد يواجهونه أيضاً في حياتهم الواقعية، خارج نطاق وسائل التواصل الاجتماعي.
الأمر بسيط: كلما زاد عدد الأصدقاء والإعجابات على منشور، شعر الشخص بتحسن تجاه حياته. مع ذلك، قد يكون هذا النوع من التواصل ضارًا على المدى البعيد، إذ قد يشعر الشخص بالوحدة إذا افتقر إلى علاقات وتفاعلات مستقرة وعميقة في الواقع. نحن البشر بحاجة إلى التواصل الجسدي مع من نحب. لا تُظهر وسائل التواصل الاجتماعي سوى جزء صغير من حياة الناس؛ إنها تُظهر فقط كيف يريدون أن يراهم المجتمع - إنها مجرد واجهة.
من إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعي أنها تتيح لك مشاركة اهتماماتك مع الآخرين، واكتشاف معلومات جديدة، وحتى تكوين صداقات حقيقية. أما كونها سلبية أم إيجابية، فيعتمد ذلك على كيفية استخدامك لها. من المهم أن تتعلم كيف تنفصل عنها وتعيش حياة طبيعية مع من حولك.

تذكر أن مشاركة الأشياء على شبكات التواصل الاجتماعي لن تجعلك سعيدًا، خاصة إذا كنت مهووسًا بالتفاعلات التي تحدثها منشوراتك. هذا يعني فقط أنه سيكون لديك أفراح صغيرة من خلال مشاركة الأشياء الخاصة بك ولكنك لن تستمتع بالتفاعل الحقيقي مع الآخرين، لذلك على المدى الطويل، ستشعر بالوحدة. هناك من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للتعريف عن أنفسنا ومحاولة جعل العالم يرانا بطريقة معينة. إنها مثل "العلامة التجارية الشخصية" التي تحاول أن تجعلها تبدو مثيرة للاهتمام لتتناسب بشكل أفضل.